عرض « الأرض المباركة » من اسبانيا إلى قرطاج : الرقص لغة لا تحتاج ترجمة

ارقصي ايتها الأجساد، تحرري من قيودك واكتبي إلياذة الحياة الخاصة بك، كوني البداية والنهاية، فأنت أول اللغة وآخرها، ارقصي وانثري على الحضور بعض الجمال وذكريهم بأوجاع من افتكت أراضيهم فهربوا إلى الموسيقى والرقص ليصنعوا ثورتهم الخاصة وليعيدوا أمجادهم عبر لغة لا تعرف معنى النهاية، ارقصوا واضربوا بأقدامكم ليظل الفلامنكو صوتا للحريات وعلى ركح قرطاج صنعت الأجساد مجدها في ليلة استثنائية (الخميس 30 جويلية 2026) مُزج فيها التاريخ بثقافة الحياة والرقص في عرض Tierra bendita الذي احتفي بغنى الثقافة الأندلسية عبر رحلة نابضة بالحياة إلى قلب التقاليد والمشاعر التي تجسّد روح الفلامنكو المعاصر.

على الركح تضرب الأقدام بقوة، تستنطق التاريخ وحكايات المكان والزمان، في رقصاتهم يعتمدون تقنية « ثاباتيادو » القائمة على الطرق الايقاعي بالأقدام وضربات قوية بالكعب ومقدمة القدم كأنها لحظة إعلان عن ميلاد متجدد لرقصات الفلامنكو.

حركات واثقة، رؤوس مرفوعة، أيادي تصفق، أجساد أحيت التاريخ وقصص أهل الاندلس، خفقة الهواء الرهيفة مع كل حركة حوّلت الأجساد إلى سيمفونية إيقاع فيها عوضت حركة الأرجل والأيادي صخب الموسيقى ففي « الأرض المباركة » كل شي ارتبط بالجسد ولا شي غيره هي عالم كامل من لغة تبدو صامتة ولكنها أكثر إثارة للحكايات..

رقصاتهم جزء من الهوية بل هي لغتهم فيها قصص العشق والفراق تكتب من خلال أنين القيثارة وفيها « الأندلس » و »القيثارة » محور كل الأغاني، رسمت مشاهد الإحتفال في شكل رقصات جماعية، فالفلامنكو لغة انطلقت من اسبانيا إلى العالم، لتصبح صوتا للحرية.. وعلى ركح قرطاج حملت أجساد الراقصين جزءا من موروث اسبانيا وكتبوا مشهدية للحياة، ومن أشهر أنواع الرقصات قدموا « سوليا » رقصة التأمل التي تعتمد على الثنائي وهي رقصة بإيقاعات هادئة ولباس أسود، ورقصة « أليغرياس » بدت فيها أجساد الراقصات بفساتيهن الصفر والشال الموشى بالورود كما الفراشات في فصل الربيع، رقصن ونثرن الفرحة على الجمهور في أجمل مشاهد التمازج بين الرقص والمتلقي، فكانت بمثابة جرعة سعادة.

وبآلة صغيرة الحجم مثل الكاستانيات صنعت باتريسيا غيريرو مشهدا فيه ينسجم الجسد مع تلك النقرات التي بدت بطيئة ثم سرعان ما تسارعت فاتسقت الحركة مع الايقاع وكونت وحدة يربطها خيط أثيري.

تتأثر إيقاعات الفلامنكو بموسيقى التانغو، فتتماهى الأجساد مع الايقاعات الهادئة الخارجة من نبضات آلة القيثارة لتكون رقصة « تانغوس فلامنكو » لتنقل للمتلقي قصص المهمشين ويستحضر الجسد حكايات الأجداد ليعيد صياغتها من خلال اللوحات الراقصة، فأغلب الحكايات تقول انّ الرقصة وُلدت من معاناة الفلاحين الموريسكيين الذين افتكت أراضيهم فانمدجوا مع الغجر ورقصوا لأوجاعهم لتتحد الضربات القوية مع آلة القيثارة وفي المشهد الأخير من السهرة، اتشح الراقصون بالأسود وتعالى صوت المغني بلحن حزين أما صوت الأرجل فجاء محاكيا لخطوات جنود في ساحة الوغى بين كر وفر كما منح الضبط الحركي والإيقاعي لفريق الراقصين المشهد مهابة من خلالها نستشف مأساة الانسان فحُبست الأنفاس بين مدرجات المسرح الأثري بقرطاج وسرت طاقة غريبة في المكان لينطلق مع نهاية المشهد التصفيق.

لجمهور قرطاج قدم باليه الفلامنكو الأندلسي عرضا ساحرا صممت رقصاته باتريسيا غيريرو وقد قادتنا إلى رحلة فنية إلى قلب الأندلس بوصفها الأرض التي تشكّلت فيها روح الفلامنكو وتطورت عبر التاريخ لتصبح أحد أبرز التعبيرات الثقافية الإسبانية وأكثرها انتشارا عالميا..

الفلامنكو رقصة وصفتها منظمة العلوم والتربية والثقافة التابعة للأمم المتحدة اليونسكو بأنها « التعبيرات العاطفية التى تثيرها الآلات الموسيقية وتعبيرات الوجه والإيماءات والحركات والتألم والأصوات المبحوحة للفلامنكو، بأنها مزيج من الحزن والفرح والأسى والابتهاج والخوف » ومنذ 2010 أدرجت المنظمة الفلامنكو في قائمة التراث العالمي.

استعاد باليه الفلامنكو الأندلسي في عرض « الأرض المباركة » الأغاني والايقاعات التقليدية للفلامنكو وأعاد تقديمها في لغة معاصرة وانفتح على التجديد دون التخلي عن جوهر رقصة الفلامنكو تلك اللغة العالمية التي لا تحتاج الى ترجمة لفهمها، فحركات الراقصين كفيلة بتدوين أجمل الرحلات إلى الجغرافيا الاسبانية والتجوال في فضاءاتها ومعالمها والانصات لحكايا الموريسكيين ونضالات أبنائها.

761168369_1662373611923062_8763984541910850626_n
759102005_1662374371922986_5437510650554990110_n
760294723_1662374295256327_6806619650008046513_n
760620739_1662374211923002_1061452322526375949_n
758006660_1662373931923030_2388193660583392072_n
759348975_1662373855256371_4978110777368364158_n
760285786_1662373671923056_2066613575039449503_n
759834031_1662373318589758_4781894707188203852_n
759477815_1662373245256432_8259185516305588814_n
759408902_1662373198589770_4519531996583150030_n
759179832_1662373051923118_8047028881745562513_n
759330298_1662372651923158_802309618892819812_n
760434412_1662372525256504_7883225182545947560_n
760271081_1662372435256513_6623445745109197172_n
760032182_1662372101923213_5620948683031128528_n
760826112_1662372028589887_8451316696949610730_n
previous arrow
next arrow
761168369_1662373611923062_8763984541910850626_n
759102005_1662374371922986_5437510650554990110_n
760294723_1662374295256327_6806619650008046513_n
760620739_1662374211923002_1061452322526375949_n
758006660_1662373931923030_2388193660583392072_n
759348975_1662373855256371_4978110777368364158_n
760285786_1662373671923056_2066613575039449503_n
759834031_1662373318589758_4781894707188203852_n
759477815_1662373245256432_8259185516305588814_n
759408902_1662373198589770_4519531996583150030_n
759179832_1662373051923118_8047028881745562513_n
759330298_1662372651923158_802309618892819812_n
760434412_1662372525256504_7883225182545947560_n
760271081_1662372435256513_6623445745109197172_n
760032182_1662372101923213_5620948683031128528_n
760826112_1662372028589887_8451316696949610730_n
previous arrow
next arrow